قرارات الحكومة … منحة أم محنة …

إدارة البلاد… بحد ذاتها فن السياسة ، التي تقود الدولة بكافة مقوماتها : (الأرض والشعب والمؤسسات) ، وعليها.. قد بنيت قاعدة التعاون والتنسيق فيما بينها ، وعلى أساسها وضعت الدساتير والقوانين والأنظمة ، حتى تتكامل فيما بينها ، وحتى تلتزم كلٌ منها بحدود الدستور والقوانين ، لينتظم العمل بالعدل والقسطاس ، وتوزيع السلطات والمسؤوليات ، وفق الحقوق والواجبات الممنوحة والمفروضة ، على كلٍ منها ولها ، وعلى أساسها تبرز القيادات السياسية ، وتتوجب عليها المنافسات الإيجابية ، في أساليب التطبيق ، والتي تصل بالشعب والأرض والمؤسسات إلى شاطئ الأمان ، وتحقيق العقد الإجتماعي والسياسي ، ليقال بأنها دولة العدالة والحريات…
هكذا تدار الدول ، التي تلتزم عقدها الإجتماعي ، وتحترم عهدها السياسي ، لتجري الأمور على خير ما يرام ، ولتأخذ السمعة الحسنة ، والصفة الراقية بموقعها السامي بين الدول الحضارية ، والتي تريد الخير والمنفعة والرفعة لشعبها ، وكل من يطأ أرضها ، لتنال جائزة الدول المتقدمة والسوية بكل مفاهيمها الإيجابية ، وخاصة في التطبيق السياسي ، بعيداً عن المحسوبيات والمحاصصات ، وكل أشكال الفساد على كافة الصعد ، بدءاً من الرئآسات ، وإنتهاءً بآخر موظف ، لا يرتشي ولا يُمرِّر ما هو غير قانوني ، وغير متناسب مع نظام الدولة ، أقلها في العدالة …
من هنا.. فإن المسؤولية الكبرى في إدارة شؤون الدولة ، تصب في خانة السلطة التنفيذية، أي الحكومة التي تتوزع إلى وزارات متخصصة لخدمة الشعب (المواطنين ) والأرض (الوطن) والمؤسسات (الدولة) ، وأن السلطة التنفيذية ، مرتبطة دستورياً بالسلطة التشريعية من جهة ، فهي التي تسن القوانين المستجدة ، وتراقب تنفيذ القوانين المقررة في أعمال الحكومة ، حيث هي أيضاً من جهة ثانية ، مرتبطة بالسلطة القضائية ، لمراقبة حسن سير وتطبيق القوانين وفق الدستور ، وعليه تبنى المقاييس والحوكمة ، للتسديد والترشيد ، في ظل القاعدة المعتمدة عالمياً ، والمتمثلة بفصل السلطات ، حيث تأخذ كل سلطة دورها وصلاحياتها كاملة في تحقيق العدالة للدولة وللشعب …
في ظل القيَّم والمُثل العليا ، لقياس مجرى الأمور بالدول المتقدمة ، نسمع ونرى فيما جاء أعلاه ، ولكننا ما نسمعه وما نراه عن لبنان اليوم ، وما وصل به إلى الإنحدار والتسيُّب والفساد ، ليُصنَّف عالمياً ، بأنه أسوأ بلد يستشري فيه الفساد على أكثر من صعيد ، بعد أن كان مميزاً في هذه المنطقة وعنها ، ليصنف في يوم ما ، بأنه سويسرا الشرق ، ومهد الديموقراطية ومُصدِّر الحرف ، من دون التغني بمقوماته وبنشاطه السياحي والتجاري والإقتصادي والصحي والتربوي والإعلامي والثقافي والفكري ، ألخ…
ليأتي من شطب كل هذه الصفات من لوحة الشرف ، ليضع مكانها كل ما هو قرف ، من طبقة فاق فسادها كل الإحتمالات ، وكل الحسابات ، بفعل ممارساتها الشاذة ، والخالية من أي حسٍّ وطني ، ومخلصٍة لشعبها، وتجاوزت كل الخطوط الحمراء ، حتى إنتقل تميُّز لبنان ، من الصدارة إلى الحقارة …
كل القيادات السياسية في العالم ، أكانت شخصية أم حزبية أو حركية ، تتنافس فيما بينها لتقدم أفضل ما عندها من برامج ومشاريع ، تفيد في تقدم الشعب والدولة إلى الأعلى والأحسن والأجود ، ضمن سياستها المحلية ، وأيضاً تضع الرؤيا والمنهج التنافسي مع الدول الأخرى لسياستها الخارجية ، حتى تصنَّف من الدول المتقدمة والراقية …
فيما سياسيُّونا وقادتنا في لبنان يتنافسون فيما بينهم للحصول على محاصصات ومنافع شخصية ، مالية أو غيرها من مشاريع عامة ، لتتحول بقدرة قادر إلى مصلحة خاصة ، يستفيد منها الأتباع والأنصار والأصهار ، ضاربين بعرض الحائط مصالح الشعب العامة ، ومقومات عيشه الكريم وتأمين حاجاته وخدماته ، التي جاؤوا من أجلها حسب وعودهم العرقوبية ، وتصريحاتهم العنترية ، معتمدين على القول السيء : (إن لم تستح ، فإصنع ما شئت )…
التنافس اليوم بين فئآت المنظومة السياسية الفاسدة ، والمتحكمة بالسلطات الثلاث ، والمهيمنة على سياستها وفق تبعيَّتها للقوى الإقليمية والعالمية ، التي تمعن في هذه الأرض فساداً ، وتقضي أمورها ومصالحها بالإرهاب الدولي وسلاح الدمار الشامل تطبيقاً لخطط جهنمية وإستخباراتية …
وما إستخدام هؤلاء الساسة إلا لتنفيذ مآربها الدولية ، ومآربهم المحلية ، لذا نجد تعطيل الدستور والقوانين في لبنان ، لتتعطل معه كل السلطات بما فيها الحكومة، التي هي العمود الفقري لكل الأعمال والخدمات والتقديمات التي تصب في مصالح الشعب العامة ، ومنها الحياتية والمعيشية والصحية والإجتماعية ، وهي الحد الأدنى للعقد الإجتماعي والسياسي ، الذي بنيت عليه الدولة في الوطن الواحد …
في ظل هذه الأزمات المتراكمة ، وفي ظل الدمار الشامل لكل المؤسسات ، وفي ظل الإنهيار الكامل للعملة الوطنية والمشاريع التنموية ، والإستثمارات الإقتصادية ، وتعطيل دور وعمل السلطات المحليَّة …
فإننا نجد من يقف حجر عثرة في إتخاذ القرارات الحكومية ، فقط لمصالح شخصيّة ، مغلفة بشعوبيّة طائفيّة ومذهبيّة ، ومتنقلة بين كتل نيابيّة ، أين منها لبنان القوي أو الجمهورية القويّة ، والناس في أنين ووجع السياسات الجهنميّة ، لما وصلت إليه حالتهم المعيشيّة ، ولتصبح القرارات الحكوميّة ، بين نارين أحلاهما مُرُُ ، بين مرورة المنحة ، أو مرورة المحنة…

Related posts